مُدُنٌ خِفَــاف..
21 يونيو 2006
(1)
....
....
....
سألَ (قبلاي خان) ،(ماركو بولو) :” في الأخير،وفي اليوم الذي أعرف منه كل الرموز،هل سأكون قادرًا على امتلاك الإمبراطورية؟”
فأجاب رجل البندقية:”مولاي لا تعتقد بهذا.ففي ذلك اليوم ،ستكون أنت رمزًا بين الرموز.”
~~~
(2)
حذرني السفراء من النساء والابتزاز والخديعة،فإن اتقيت ذلك فسيخبرونني عن مناجم فيروز اكتشفوها أخيرًا،وعن امتيازات أثمان الفراء المصنوعة من ريش الخطاف،وقتراحات للحصول على سيوف دمشقية.
سأل (الخان) ،(ماركو بولو): “وأنت ؟ لقد عدت من أماكن تساوي هذه بعدًا،وتخبرني بالأفكار التي تأتي الإنسان الجالس على عتبة بيته في المساء يتمتع ببرودة الهواء.. إذن ماجدوى أسفارك؟”
أجابَ (ماركو) :” الوقت مساء.ونحن نجلس على عتبات بلاطك.يمرّ علينا نسيم ناعم.فبأي بلد أوحت لك كلماتي سوف ترى ذلك البلد من نقطة الإمتيازات هذه،حتى إنْ حلّت بدل قصرك قرية مُهمَلَة في يباس أو حمل النسيمُ نتانة وُحوُل المصَبّ”.
“إنَّ نظرتي نظرة متأمل غارق في أفكاره،أقرّ بذلك،لكن ماذا عنك؟ لقد عبرتَ أرخبيلات وسهولاً وسلاسل جبال ،وتقول الأشياء التي يقولها من لم يبرح مكاننا هذا”.
لقد تعلّم (ماركو) أن (الخان) إذا ماناكَدَ أو ناقشَ جليسه فذلك يعني رغبته بمتابعة سير الفِكَر الخاصة بذلك الجليس،لذا اتخذت إجابات ماركو واعتراضاته مكانها في رأس الخان وفي مجرى ذاتي خاص..
لذا يمكن القول بأنه ليس مما يهم احدهما أن تُقال الأسئلة والحلول بصوت مسموع،أو أن يتبادلاها بصمت،وقد كانا في الحقيقة صامتَين، عيونهما نصف مغمضة،مسترخييَن على أرجوحتيهما الشبكتيين،يُدخنان بغليونين من الكهرمان..
تخيل (ماركو بولو) نفسه يجيب أو أن (الخان) تخيل جوابه،بأن أكثر الناس ضياعًا في ميادين المدن البعيدة ،هو الذي فهم المدن الأخرى التي اجتازها ليصل إلى هناك. والذي يستذكر مراحل رحلته ،ويجئ إلى الميدان الذي أبحرمنه ،والأماكن التي ألفها في شبابه،ومايحيط ببيته،والميدان الصغير لمدينة حيث كان فيها طفلاً يَثِبَ مَرحًا هناك..
هنا، قاطعه (قبلاي)..أو تخيل (ماركو) أنَّ (قبلاي) قاطعَهُ..أو أنَّ (ماركو بولو) نفسه هو الذي قاطع،بسؤال كهذا:”هل تتقدم دائمًا ورأسك إلى وراء”؟ أو :”هل ماتراه دائمًا يقع خلفك”؟ أو: “هل تحدث أسفارك دائمًا في الماضي؟”
ذلك كله، لكي يستطيع (ماركو) ان يفسر،أو يتخيل أنه يفسر،أو ينجح اخيرًا في أن يفسر لنفسه أن ماشاهده،هو شئٌ يكمن في المستقبل القريب،وحتى إذا كان بعض أحداث الماضي الذي تغيرَ شيئًا فشيئًا وهو يتقدم في رحلته ؛لأنَّ ماضي المسافر يتغير وفْقَ الطريق الذي سلَكَهُ،ليس الماضي الحالي الذي يضيفُ له كل يومٍ يمرُّ يومًا،ولكنه الماضي الأكثر بعدًا ..
وفي وصوله إلى أي مدينة جديدة، يجد المسافر ماضيًا له لا يعرف أنه امتلكه يومًا: مالم تمتلكه ،يظلّ بانتظارك في اماكن غريبة لم تشهدها بعدُ.
(ماركو) يدخل مدينة،فيرى شخصًا في ميدانها يعيش حياة (ماركو)،أو حياة مشابهةً لها..يقدِرُ الآن أن يكون في مكان ذلك الرجل.لو توقف في الزمان،فيما مضى،أو لو أنه فيما مضى،وفي مفترق الطرق،بدلاً من أن يتخذَ ذلك الطريق قد سلكَ الطريق الذي يُعاكسه،لوصل مكان ذلك الرجل في ذلك الميدان..
إنّهُ منذُ الآن معزولٌ عن ماضيه الحقيقي ،أو المُفتَرَض..
وهو لايستطيع التوقف،عليه أن يستمر إلى مدينة أخرى،حيثُ ماضٍ آخر من مواضيهِ ينتظره،أو ربما كانَ شيئًا يمكن أن يكون مستقبلاً له.
الذي هو حاضرٌ الآن..شخصٌ آخر..المستقبلات التي لم تتحق ليست غير أغصان للماضي،أغصان ميتة.
“هل الأسفارُ لاستعادة العيشِ في الماضي؟”
كانَ هذا سؤال (خان) في تلك اللحظة.السؤال الذي يمكن صياغته أيضًا بـ“هل الأسفار لإعادة حجب المستقبل؟”
وكانَ جواب (ماركو):
” في المكان الآخر مرآةٌ معتمة..المسافرُ يرى فيها القليل مما لهُ،ويكتشف الكثير مما ليس له ،ولن يمتلكهُ يومًا“.- منشور بالقسم: لؤلؤ
- بتاريخ:
WordPress database error: [Can't open file: 'wp_comments.MYI'. (errno: 145)]
SELECT * FROM wp_comments WHERE comment_post_ID = '15' AND comment_approved = '1' ORDER BY comment_date
التعليقات»
no comments yet - be the first?