حظّ كُتَّـاب!
12 فبراير 2006نشرت (أخبار الأدب) حوارًا قصيرًا مع الكاتب “مارك ليفي”،والذي تَربعت روايتُهُ (أكان هذا صحيحًا؟) على قمة العشر كتب التي باعت 7 أضعاف ماباعته رواية (ثلاثة أيام عند امي..) التي حصلت على جائزة جوتكور للعام الماضي ،والذي يُطلق النقاد على مؤلفها اسم الكاتب الأكثر موهبة في فرنسا..
أعجبتني بساطته الشديدة عندما كان يضحكُ قائلاً انه لايعرف سر نجاحه في بيع كتابه حتى الآن ،لكنه يعرف أنه محظوظ ..
هو يقول أنه لايعتد أي تقنية أو أسلوب أدبي ما ..وإنما يعمل بكثرة ولايعطي وقتًا طويلاً للبحث عن فكرة ،وإنما يكتب مايشعر به في حينه ..إضافةً إلى دور (الأذن) حيثُ يستمع لحكايا الآخرين التي تكسبه نجاحًا ..
إذن فالصدق ،والتلقائية،واختلاف العوالم..ربما سعة الخيال..المكتوب بطريقةٍ حميمية..هي ماتشد القارئ في العصر الممتلئ بالوسائط الإعلامية الذي نعيشه الآن..
ربما هذا مامنح لـ(دان براون) مؤلف (شفرة دافنشي) الأشهر كل هذا النجاح..رغم البساطة المتناهية التي اتبعها كتقنية في كتابة روايته..أيضًا السيدة الأغنى من ملك انجلترا (رولنج) مبدعة (هاري بوتر) ..
يبقى عنصر المتعة هو أكثر مايجمع القراء على اختلاف أذواقهم..
ثم إن الايقاع السريع،لايسمح بأي مجاملات للكتاب..لابد أن يكون الكتاب جديرًا وممتعًا..
تبقى الفجوة بين الرأي الأكاديمي ورأي القراء الذين يتأثرون انطباعيًا..باحثين عن أنفسهم أو هاربين منها ..حينما يتخيرون مواد للقراءة..
__
يقول (ليفي)..أنه لايعرف لماذا ينصرف النقاد معهم هكذا بعد الاعتراف بهم كأدباء حقيقيين..وهو يقول أن كل مايستطيع قوله لهؤلاء النقاد:“إن الأمر لايستحق كل هذا ،فإنها مجرد رواية أعجبت الملايين من القراء..ومع ذلك لاأقول أن مجرد بيع كتاب بالملايين يعني بالضرورة أن الكتاب جيد ،أعلم أنني مجرد كاتب ولستُ عالمًا اكتشفَ مصلاً لمرض،وأكثر مايهمني أن يشاركني الآخرون فيما أشعر به بحيثُ لايكون حبيسًا داخلي أنا فقط..”
هل لاحظت انطباق المثل: رَحِم الله امرؤً عرفَ قدر نفسه
!
الوفاة الثانية لرجل الساعات!
9 فبراير 2006“الماهرونَ في التسلُّقِ هم فقط القادرونَ على ألا يخافوا،هم كذلكَ الذينَ يهوون التغيير السريع،وينجحونَ في النجاة من فخ المشاعر.”
نورا أمين
_الاسم رواية..لكن ربما لأن الكاتبة لعبت دور البطلة بنفس الاسم،بدا الأمر كأنهُ تقليبٌ حنون وموجه لوالدها الذي تُوفي.. كما تقول بنهاية الرواية:
“أريد أن أقول لهُ بطريقةٍِ غيرَ قابلةِ للمحو ،أنني أحبه.”
,,
لا يوجد بالتحديد شئٌ ما يحدد أن تنفصلَ خبرةُ الكاتب الأصلية عمّا يكتب..لكنهُ انطباعٌ لا أعرفُ أصلهُ أن الروايةَ ،وإن التقت مع الواقعِ ،فهي مختلفةٌ عنهُ..
بقراءةِ مثل هذهِ الرواية (الوفاة الثانية لرجل الساعات)لنورا أمين..لاثغور في الواقع المحكي لتسدّها الحيل الأدبية..
ولا ترميز..
بل منتهى البساطة الممتعة..وإعادة صياغة للواقع بحيثُ يتميز النص عن أن يكونَ مجرد كتاب ذكريات ما..
,,
_تقسيم الروايةِ بديع..ومبتكر..ومبني بالكامل على الزمن..وهو كالتالي:
ساعات...
ودقائق..
وثواني..
خارج الزمن..
,,
هو أول عمل أقرأُهُ كنموذج لأن يكون الزمن(وربما الساعةُ نفسها بأنواعهايد/حائط/الخ) هو محور الرواية..كنتُ أستطيع تصور أن يكون المكان هو مُرتكَز النص أو البطل،بخلاف الزمان..
أيضًا لا تجدُ كلامًا مثاليًا ..بل كلٌّ يُذكَرُ كما كان..مما منحَ الحكي مصداقية ملموسة..وقرّبها مني كثيرًا ككقارئة..
,,
هذهِ بعضُ مقتطفاتٍ من الرواية..
“أُرغٍمَتْ الساعةُ هذه المرة على التوقف حيثُ لا يحلو لها.وخفتَ تمامًا الضحكُ الذي كانت تُطلقُهُ عندما تتجمع عقاربها في رقم (واحد).لملمَتهم هنا في توجس ،وتشككت إن كانت سوفَ تراودها شجاعة كي تنشرهم في الدائرة من جديد.
الأرقامُ المحفورة بحروف أجنبية صارت تحملُ لونَ الدم.في الليلِ يداهمُهُ الألم،يتلوى ولا يُطلِقُ صرخة ،يهرع إلى دورةِ المياه دونَ أية طقوسِ أو لذة..يتقيأ دمًا،ودمٌ يتقيؤه..”
“تكللت ساعةُ الحائطِ في غرفتهِ بتلك الحمرةِ،ودفنَت أسفلَ عقاربها موعدًا سريًا تفيضُ فيهِ الدماءُ ليلاً عن الرجل.”
“كانت حناجرُ النساءِ قد احتجبت خلفَ قناعها التقليديوكانت ذاكرةُ أمي تعيدُ ترتيبَ كلمات المعزين في أحجامِ تناسبها.
غُصتُ في المقعدِ الخشبي ،ومددتُ ساقيّ المتربتين..
حاولتُ تقصي الدقائق التي مرّت منذُ قدومنا دونَ معونةِ الساعة..كانَ هذا دومًا اختبارًا جيدًا للتعودِ على الدقةِ ،وضبط الزمن..لكنه الآن يبدو فخًا هائلاً يفغرُ ،مجتذبني نحو طبقاتِ عجينية كحمم البراكينٍ الراكدة ،تبتلعني اوقاتٌ ولحظات في شراسة الوحوش الأسطورية القديمة ..أحاولُ أن أنجو بنفسي ،فأُصِرُّ على احصاء الدقائقِ كساعةٍ عادية..
أتصنّعُ تركيزًا في المسألةِ الحسابية الداخلية،وأجاهدُ كي أنزع رأسي من حمم الذكرياتِ،وأزمنتها المكبلة ،يراودني خوفٌ من ان عقاربي تتسمر..تُمتَصُ عن آخرها داخل هذهِ العجينةِ العنكبوتية،ينتابني هلعٌ وأخالني على حافة الموت،أبتلعُ جسدي كله،وكأنهُ مجرد عقربٍ متخفٍّ ،لم يبقَ سوى رأسي،أرفعُهُ عاليًا عن الطوفان،تغرقُ دائرةُ الوجه،تتغطى العينانِ والأذنان والأنف..ينفتحُ الفم عن آخرهِ متشبثًا بالوقت، والوقتُ متعلقٌ في ذرّاتِ الهواء..”
العجوز*
6 فبراير 2006_أستطيع أن أُخيف أي شخص بهذه الطريقة،ما عليّ إلا أن أذهبَ إليه،وأنظر إلى عينيه وأقول :”أوه..إنني أعرف عنك أشياء
كثيرة.”..أنا لا أعرف عنه شيئًا بالطبع. ولكن المؤكد أن الشخص سيُفزَع،إنَّ لدى كل شخص شيئًا يخفيهِ عن الناس..”
ـــــــــــ
العجوز:”انظري كيف شيدوا المباني،هؤلاء الضباع لقد حجبوا السماء،يحاولون الابتعاد الله..الملاحدة!..يخفون ظلمهم خلفَ السورِ والحجر..”
تانيا:إنه يومٌ سقيم،آه لو يحدثُ شئ
ياكيف:حريق مثلاً؟..هل تحبين الحرائق؟
تانيا:إنني أخافها،لكنني في بعض الأحيان أشعر بمللٍ شديد بحيثُ يسرني أن يحدث اي شئ مهما كان فظيعًا
...
صوفيا: “إن الرجل العجوز مُجهدٌ مُحطم. إنه مريض يسري في عروقهِ سم الحقد الذي يحملهُ بين جنبيه،ومرضُه لادواءَ له.كلُّ مايقوى عليه هو تحمل العذاب والألم، فهو لا قِبَلَ له بشئٍ آخر ،إنَّ العذاب مهنته،وقد سما به إلى مرتبةِ الفن الرفيع،ويوجد على شاكلتهِ كثيرون ،إنهم يستمرئون العذاب ؛لأنه يخولهم الحقَّ في الانتقام،في تحطيم حياةِ الآخرين..وليس أكثر أنانية من هؤلاء الذين نالهم الظلم والعَسَف..”
صوفيا:لقد عُوقبت بغيرحق،أليسَ كذلك؟
العجوز:(بعد فترة صمت)،إذن؟
صوفيا:إذن لماذا تريد أنت الذي ذقت مرارة العذاب ظلمًاأن تجعلَ الآخرين يتعذبون؟
،العجوز:ممم..صديقُكِ جوزيف هذا يريد أن يدخلَ الجنة بالرغم من ذنوبه..أليس كذلك؟..لن تكونَ الجنةَ من نصيبه
إنها من نصيبي ،من نصيب التعساء أمثالي ..هذا هو العدل ..أما عن جوزيف فإذا قُدِّر لي أن أتعذب مرة،فلابد أن يتعذّب هو مرتين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
مسرحيته (الحضيض)مُثِّلَت على مسرح برلين لمدة عامين على التوالي..