ماجريت..اللوحة الفكرة!
18 مارس 2006
“البومة لن تصبح أبدًا بومة،إلا عندما تصبح ورقة!” هنري ميشو..
_إنها طريقة للقول إننا لا نحس بطبيعة الأشياء إلا بعد تغيرها،ولا بقيمتها إلا بعد فقدها..لذلكَ كانَ الأسلوب الذي اتبعه الفنان البلجيكي السوريالي (رينيه ماجريت) يدور حول المتناقضات،فهو يعرّي اللوحة من أي إحساس شعري ،ليثير الفكر بالدرجة الأولى فالفكر يعمل لدى (ماجريت) بشكل مرئي كما يقول الناقد التشكيلي الفرنسي (برنار نويل).. وكما يقول هو نفسه: “لايتكون الفكر إلا من أشياء مرئية ،ويمكنه أن يكون مرئيًا من خلال التصوير..” ،” الكتابة وصفٌ لا مرئي للفكر ،والتصوير هو الوصف المرئي لهُ..”

فلو أن كل شئٍ هو مفتاح لمتتابعة أفكار ومشاعر..وترتيبات معينة ،حسب تكوين كل شخص،فمن الصعب حصر معنى وحيد للشئ ذاتهِ ..
كما أن العلاقة بالوهم (أي الشئ الغير ملموس،حتى لو كانَ ملموسًا/أو تتابعات الشئ الملموس ومعانيه) بلا وهم(أو حرية تخيل) يتطلب الصمت..الذي يُفضِي بدورهِ إلى الوحدة..
.....

كان (ماجريت) يرسمُ بأساليب أخرى،خلاف السوريالية،وكان متخبطًا كفنان مبتدئ بين الأصالة،ومايريد التعبير عنه،إلا أن كان تأثره بلوحة (كيركو) والتي باسم (أغنية الحب)، فتعلم ان مانرسمه أكثر أهمية بكثير من الطريقة التي نرسمه بها..
وأنه لايجب أن تجعل قواعد التصوير من اللوحة فنًا يقتصر على التدقيق في زوايا الرسم،وظلال الألوان،دون فائدة أخرى..وقد يكون ذلك داعيًا ليقول كلمته :
“التصوير يجب أن يخدمَ شيئًا آخر غير التصوير!”
......

احدى أشهر لوحات ماجريت (ابن الرجل)،و(الحرب العظمى)..
العنوان لديه قيمة كبيرة،ومكمّل مهم للوحة المرسومة،واهتمام يوازي اهتمامه بالدقة الباردة التي تميز تصويره..
وهو جزء من اللوحة ،ويولد بفعلها ..كانَ يسميها بعد الانتهاء منها؛وذلك ليضاف الوصف الغير مرئي للمرئي وكأنها حركة إعادة لمادة الغموض،وتلاعب مزدوج بالوهم والتخيل..
،وكثيرًا ماكانَ اختيار الاسم يأتي بشكل جماعي خلال اجتماعات الأصدقاء الأسبوعية التي كان هو مركزها في الأغلب..
.....


وأساليبه كما يسردها بنفسه تتنوع بين ” الأشياء الموجودة التي تقع حيثُ لن نلتقي بها ابدًا ،إبداع اشياء جديدة ،تحول الأشياء المعروفة، تغير مادة بعض الأشياء ،استخدام الكلمات المرتبطة بالصور.”
مالذي أتى بالتفاحة في وجه الرجل كما في لوحة (ابن الرجلson of man)؟، ومالذي جعل التفاحة في لوحة أخرى تتضخم حتى تشغل الغرفة في لوحة (غرفة الاستماعlistening room)؟..هو رسمَ التفاحة بدقة،ودون تغير في شكلها المعروف،لكنه خلق علاقات جديدة،تشغل التفكير كثيرًا ،والخيال بالتبعية..لذلكَ فأساليبه هي لتحرير الصورة ،لا لتفسير ظهورها..
وبذلك يحقق المعنى الأعمق للإبداع،وهو خلق جديد في الأساس..
،مسألة شغل التفكير هذه ،تتبدى أيضًا في أسلوبي تغيير طبيعة الأشياء،وتحول الأشياء المعروفة..
قد يجعل الشئ حيًا،بينما يُشَئ الحي(أو يجعله شيئًا)..أو الجمع بينهما بكل بساطة..والجمع يكون بين المتلازمات كالقدم والحذاء،أو المتناقضات كما بين كوب الماء الذي يعلو المظلة في لوحة (عطلات هيجل)كأنه يجمع بين الوعاء الذي يحتوي الشئ،والشئ الذي يحمي منه،أو وضع الأشياء في أوضاع لا تسمح لها،كما تشكيل التوابيت بأوضاع الجلوس والوقوف،كأنهُ يرمز للموتى الأحياء،والأحياء الموتى كالتوابيت..ولقد استخدم طريقة التوابيت هذه أيضًا في أكثر من لوحة..
وهو يستخدم أيضًا تقنية (الإخفاء) ببراعة،ليدلل أو يشير أو يخلق (اللامرئي)،ومن ثمَّ الوهم..سنجدُ هذا في لوحات مثل (العشاقlovers1,2)مثلاً..
أيضًا نجدُ أشكالاً معينة لتجسيد معنى اللوحة..هذه الأشكال تمثل مفردات تدلل على الفكرة وتمثلها معًا..قد تلاحظ هذا في لوحاتٍ مثل (الذاكرةmemory) ،(فن المحادثة art of convercation)،(طعم الدموع flavour of tears)..وغيرها..


أيضًا اللوحة النافذة..أو النوافذ التي تقود إلى نوافذ..المتتابعات التي تؤدي إلى نفسها،والمتكررات كما الرجال الذين يملأون الأفق في احدى لوحاته..
أما استخدامه للكلمات في اللوحة ،فله نفس هدف (ماجريت) الأسمى،وهو تحرير الفكر..ومن أشهر الكلمات التي استخدمها (هذا ليس بايب!) في لوحة لاتمثل سوى رسمٍ متقنٍ لبايب!..
الرد الفوري لنا سيكون ،”لكنه بايب..”،أو “ماذا يكونُ إذن؟!”..هنا نبدأ في استعادة كل المعاني الممكنة التي قد ترتبط بالبايب المادي..لتمنحَهُ أبعادًا نفسية أبرح..
هو يريد أن يقول لنا: (ليس العالم هو ماتراهُ أعيننا المجردة فقط..)
!
يقولُ (ماجريت): ” لاينبغي تمثيل هذه الأشياء بأصالة أو فانتازية تضرّ بالتشابه ،وإنما بدقة.”
“إذا حدثَ أنْ اهتزت مشاعرنا أوأبدينا اهتمامًا ما عند رؤية صورة للتشابه،فلاينبغي أن نستنتج انها (تعبر) عن انفعال أو تعرض فكرة..وسيكون من السذاجة الاعتقاد أن قطعة الجاتوه على سبيل المثال (تعبّر) عما اعتقده الخباز ،وهو يصنعها!..”
هو يعتبر أن الصورة لاتعبّر عن شئ ،لأنها بأي حال لاتستطيع أن تكون تفسيرها الخاص،ومن الناحية الأخرى لايوجد لتفسير لأجل ألا يصبح الأمرموضوع سلسلة لا نهائية من التفسيرات السطحية..
” لايمكن رؤية فكرة بالعينين،فليس للأفكار أي مظهر مرئي،إذن لا تستطيع أي صورة أن تمثّل فكرة..”
تستطيع أن تثيرها..ربما..لكن أن تمثلها تمامًا،فهذا شئٌ صعب..ولعل هذا الفهم لدى (ماجريت) قد حرّر تصويره من التعقيد..فهو يهدف لجانب تشغيل (الفكر) ..تحريره أيضًا..أو (الحرية) بمعناها العام..
“لوحاتي صور..والوصف الصالح لصورة لايمكن تحقيقه دون توجيه الفكر نحو حريته..”
“الحرية هي إمكانية الوجود،لا الإجبار على الوجود.”(!)
**
” إنَّ الفكر في صيرورته _يتشابه مع مايقدمه العالمُ له،وإعادة ماقُدِّمَ له إلى الغموض..”
هنا يتتبع ميكانيكية التفكير نفسه..يصل معنا لأعمق مابداخلنا،فإن كانت السوريالية،تعتمد على تقديم الصور التي يقدمها العقل الباطن لنا،وتجسيدها والأحلام تصويرًا،فهو يهتم بذلك التفكير الصامت الذي يدور في رؤسنا..وكأنه يصوّر اللامنطقي من تداعيات تفكيرنا بصورة منطقية..
هو لايستخدم مثلاً تمييع الأشياء كما لدى (سلفادور دالي) مثلاً عندما يرسم الساعات متحررة من شكلها الصلب ،وتسيل إشارةً لتسرب الزمن منا..بل يعطيها الشكل المعروف،لكن في إطار جديد تمامًابحيث يتغير معناها التقليدي الذي قد يصاحبها بحكم العادة..فهدفهُ من رسم الأشياء بدقة،هو إعادة بحثها من جديد..
إذن فماجريت لايستخدم تصويره بشكل موضوعي،فهو لايرسم الشئ ليكون بحد ذاتهِ لوحة،بل ليستخدمه في رسم علاقات داعية للتفكير (كما أشرنا سابقًا)،أو لاطلاق شحنته الداخلية لتصل للمتلقي بعد تأملهِ في اللوحة ،فالمعنى لايتم التعبير عنه إلا بالأشياء التي يُمثلها..
..

في لوحة (المرآة المزيفة false mirror) نرى صورة لعين تنعكس عليها سماءٌ ذاتَ سحب..هذه العين في حالة تفكير وتأمل في الصورة والمرء يفكر في نفسه ،وفيما هو خارجٌ عنها في انقلابٍ دائم للخارج والداخل ،للمعروض والمُتَأمَّل فيه..والذي ينتج تشابكه بالنهاية الشئ الذهني(الصورة)..
**
قد يتوارد لأي متلقٍ للوحات (ماجريت) السؤال المستفز :مامعنى هذه الصورة؟...لكن ماجريت يجيب قائلاً:” التمكن من الإجابة على هذا السؤال :مامعنى هذه الصورة؟..هو إقرار بأن نجعل “المعنى”و”المستحيل” يشبهان فكرة ممكنة،ومحاولة الاعتراف بـ”معنى” ..
يمكن للمتفرج أن يرى صوريمع أقصى حرية ممكنة كما هي،محاولاً مثل مؤلفها أن يفكر في (المعنى) أي (المستحيل)..”
!!
“العادية المشتركة بين الأشياء هي السر الخفي..”
” الاحساس الذي نشعر به خلال رؤيتنا للوحة لاينبغي فصله عن اللوحة أو أنفسنا،والإحساس واللوحة وأنفسنا قد التحموا في غموضنا..”
“ماأرسمه لا ينطوي على أي شئ رمزي،فانا لاتشغلني الرموز،إنما الشئ الذي يصنعون منه رمزًا”
منطق القوة..
16 مارس 2006القليل من الفضفضة السياسية قد يفيد،طالما كانَ هذا آخر مايمكننا فعله..
العقلاء يقولون أن المظاهرات ليست شيئًا جيدًا،وليسَ إيجابيًا كفايةً..وأن الإيجابي من الأمور هو أن نكون ناجحين نحنُ انفسنا في حياتنا..
ربما كان العيبُ فينا ،بأننا ينقصنا الصبر ،لأن معظم الأشياء التي يجب أن ننجح فيها (الدراسة/العمل/العلاقات الاجتماعية)تحتاج الصبر،والمثابرة ،والالتزام..
هذه الصفات الثلاثة..ستبقى ألفاظًا مجوفةنطالما لم تتبعها تصرفات تستمر إلى أن تصبح عادة..
هذا كله شئٌ جيد..نأتي لمسألة هل تتابع العالم حولك،وأنت تحاول إصلاح ذاتك ،أم لا..
المشكلة في متابعة العالم حولنا الآن..أنه متخمٌ بكل وسائل الإعلام،والتي تبث الملايين من الأخبار..والانقياد لروح هذه الأخبار هو الأسهل..
يبدو الفيضانُ من المعرفة الإعلامية يشدنا إلى طريقين متناقضين تمامًا..الحروب والمآسي من ناحية،والتسلية المفرطة المغرقة في التفاهة من ناحية أخرى..
لكنّ الاثنين يبدوان أن رسالتهما واحدة،وهي أن البقاء للأقوى..والعالم لايزيد عن (غابة رقمية)..
الحديثُ الإخباري يركز الآن مثلاً على استخدام السلاح النووي،وأمريكا بعد أن قضت وطرها من العراق،تبحث عن وجه جديد،قد يكون (إيران) ،أو (سوريا)..أو أي دولة قد تحقق لها فائدة استراتيجية،وتكون صالحة لاستخدامها أرضًا لتجارب مصانع الأسلحة (التي تُنتج ولا تُستَهلَك من كثرتها) ،والأدوية أيضًا..
أتذكر الدكتور الذي نشرَ إعلانًا في جريدة (الأهرام) بحجم صفحة كاملة يحذّر من أن أمريكا ستضرب العراق ،لمصالح شركات الأدوية الأمريكية..وبعد ضرب العراق نشر إعلانًا آخر ،يستحثُّ الناس للاعتراض،وأن حديث مصالح شركات الأدوية،ليس كلامًا فارغًا..
المشكلة في ذاكرتي هذه..عمومًا لو وجدت الإعلان قريبًا،سأنشره بإذن الله..
الآن أنا أتفهم أن تعلن دولة نامية مثل باكستان،سياسة التقشف ،لتتمكن من صناعة القنبلة النووية..وأتفهم (إيران) جدًا..وأشكر الله على أن (مصر) لم توقع للآن على منع الأسلحة البيولوجية والكيماوية..
فتُهم مثل (مساندة الإرهاب) وما إلى ذلك نتيجة قول مثل هذا الكلام..يبدو كلامًا رفاهيًا جدًا ،وفارغًا بالنظر لما يحدث في كل مكان ،بلا رادع..
وللأبرياء في (جوانتانامو) والعراق وفلسطين ..لكم ولنا الله.